كُتِب وقيل الكثير من الدروس والعبر عن تجارب وخبرات الثورات وحركات التحرر الوطني والاجتماعي في العديد من بلدان العالم، جزء لا بأس به مما كتِب وقيل كان عن تجارب وخبرات الحركة النسوية في تلك البلدان اثناء وبعد الثورات وحركات التحرر. ورغم الاختلاف والتنوع الكبير في السياق الذي جرت فيه تلك الثورات وحركات التحرر إلا ان هناك قاسم يكاد يكون مشتركا بينها جميعا وهو الجزء المتعلق بدور ومكانة المرأة، وهو ما يتوجب الانتباه له، ومعرفته وفهمه وتعلم الدروس منه. والملخص المختصر جدا لأهم درس هو ان المرأة تحتل مكانا هاما خلال الثورات وحركات التحرر، وتشارك بفاعلية وتقدم تضحيات كبيرة وهامة تسهم في تحقيق اهداف الثورة وتدعم امكانيات وفرص نجاحها. ولكن ما ان تنتهي الثورة حتى تبدأ رحلة “عودة” المرأة الى مكانها ودورها التقليدي النمطي في المجتمع، واقصد هنا في الحيز الخاص، وتبدأ طلائع الحركة النسوية بمرحلة جديدة من النضال من اجل تغيير البنى الاجتماعية التي يقوم عليها التمييز ضد المرأة وتهميشها وتحجيم دورها في الحياة الاجتماعية العامة.

نستذكر هذا الدرس، ونحن نخطو خطواتنا الاولى من العام 2013، ومن خلفنا كل تلك التجارب والخبرات والدروس والعبر. نستذكر ذلك ومجتمعاتنا العربية لا زالت الى اليوم تمر في عملية مخاض، عملية تحول واسعة وجذرية اصطلح على تسميتها “الربيع العربي”. من وجهة نظر نسوية فإن بواكير الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها لا تبشر بالامل والتفاؤل بالنسبة للمرأة العربية. فرغم ان حركة الجماهير نجحت في بعض الدول في التخلص من النظام السياسي الحاكم، وبعضها لا يزال يحاول، الا ان المؤشرات الاولية التي تبرز هنا وهناك لا تبعث على التفاؤل، بل قد تثير الكثير من التشاؤم. فعلى الرغم من ان المرأة العربية شاركت عموما بفاعلية كبيرة في احداث الثورات في مختلف البلدان التي حدثت فيها، إلا ان حجم هذه المشاركة وفاعليتها لم ينعكس ايجابا على مشاركة المرأة في المراحل اللاحقة، والمقصود هنا احتلال مواقع في مراكز صنع القرار على المستويات المختلفة في تلك البلدان وتناسب حجم مشاركتها وتضحياتها. ليس هذا فحسب، وانما الاخطر من ذلك ان نرى العديد من المؤشرات التي تنذر بأن النظام السياسي الجديد قد ينقض على بعض المكتسبات والانجازات التي حققتها الحركة النسوية خلال عدة عقود من الزمن.

الاخطر في اعتقادي من كل ذلك هو ان تكون المرأة احدى اهم الضحايا التي تسقط خلال احداث ومجريات الثورات وحركات التغيير والتحرر الاجتماعي. فقد نُشرت في الاونة الاخيرة العديد من التقارير التي تحدثت عن حالات انتهاك لحقوق المرأة وحريتها، بل اعتداءات على النساء وحقوقهن في العيش بحرية وكرامة. بل ان بعض التقارير تحدثت عن ازدهار واسع في المتاجرة بالنساء، وارتفاع وتيرة استخدامهن في الاعمال والمهن المسيئة لهن، ومنها تجارة الجنس، واستغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعشنها خلال او بعد انتهاء الثورة. وهذا ما يحتاج فعلا الى وقفة جادة لفحص هذه المؤشرات والاستخلاص المبكر للدروس والعبر منها، وحتى لا تطبق مقولة “خطوة الى الامام خطوتان الى الوراء” على نضال الحركة النسوية على مدار عدة عقود من الزمن.

فلسطينيا نودع العام 2012 وأمامنا العديد من المنجزات التي راكمتها الحركة النسوية، ورغم ذلك فان هذه المنجزات لا زالت غير مكتملة وغير كافية. واذا دققنا اكثر في مجريات العام، فان دور المرأة الفلسطينية لا زال دون المستوى المطلوب في مراكز صنع القرار. ولنتذكر مثال واحد فقط، وربما يكون مؤشرا على الفترة القادمة، حيث لوحظ ان تمثيل النساء الفلسطينيات في اللجنة المكلفة بمتابعة صياغة دستور فلسطين جاء ادنى من الآمال والتوقعات، وربما كان مخيبا لهذه الامال لدى اطراف عديدة.

جرس كبير يدق، ليس للمرأة الفلسطينية فحسب، وانما للمرأة العربية عموما، ليذكر بالتجارب المستخلصة من الثورات وحركات التحرر في مختلف انحاء العالم، وربما هنا يتوجب اعادة صياغة الدرس اعلاه من وجهة نظر الفكر الذكوري، “يجري استخدام النساء، وفي احسن الاحوال، افساح المجال امامهن واسعا للمشاركة في الثورات وحركات التحرر، وبعد الانتهاء يتم اعادتهن الى مكانهن التقليدي”، هذا ملخص الفكرة. وبين هذا وذاك يتوقف الامر على الحركة النسوية خاصة، ومنظمات المجتمع المدني عموما ودورها وقدرتها على تنظيم نفسها وطاقاتها لتحقيق ومراكمة المزيد من المكاسب والمنجزات، بدلا من الانكفاء الى مرحلة الدفاع عن الانجازات السابقة او بذل الجهد واستنزاف الكثير من الطاقة في محاولة حمايتها.

You are not authorized to see this part
Please, insert a valid App IDotherwise your plugin won't work.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *